محمد بن جرير الطبري

23

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فإن عامة القراء على فتح ضاده وتشديد يائه ، خلا بعض المكيين فإنه قرأه : " ضيقا " بفتح الضاد وتسكين الياء وتخفيفه . وقد يتجه لتسكينه ذلك وجهان : أحدهما أن يكون سكنه وهو ينوي معنى التحريك والتشديد ، كما قيل : هين لين ، بمعنى : هين لين . والآخر أن يكون سكنه بنية المصدر من قولهم : ضاق هذا الأمر يضيق ضيقا ، كما قال رؤبة : وقد علمنا عند كل مأزق * ضيق بوجه الأمر أي مضيق ومنه قول الله : وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ . وقال رؤبة أيضا : وشفها اللوح بمأزول ضيق بمعنى : ضيق . وحكي عن الكسائي أنه كان يقول : الضيق بالكسر : في المعاش والموضع ، وفي الأمر الضيق . وفي هذه الآية أبين البيان لمن وفق لفهمها عن أن السبب الذي به توصل إلى الإيمان والطاعة غير السبب الذي به توصل إلى الكفر والمعصية ، وأن كلا السببين من عند الله ؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن نفسه أنه يشرح صدر من أراد هدايته للإسلام ، ويجعل صدر من أراد إضلاله ضيقا عن الإسلام حرجا ، كأنما يصعد في السماء . ومعلوم أن شرح الصدر للإيمان خلاف تضييقه له ، وأنه لو كان توصل بتضييق الصدر عن الإيمان إليه لم يكن بين تضييقه عنه وبين شرحه له فرق ، ولكان من ضيق صدره عن الإيمان قد شرح صدره له ومن شرح صدره له فقد ضيق عنه ، إذ كان موصولا بكل واحد منهما ، أعني من التضييق والشرح إلى ما يوصل به إلى الآخر . ولو كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون الله قد كان شرح صدر أبي جهل للإيمان به وضيق صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه ؛ وهذا القول من أعظم الكفر بالله . وفي فساد ذلك أن يكون كذلك الدليل الواضع على أن السبب الذي به آمن المؤمنون بالله ورسله وأطاعه المطيعون ، غير السبب الذي كفر به الكافرون بالله وعصاه العاصون ، وأن كلا السببين من عند الله وبيده ، لأنه أخبر جل ثناؤه أنه هو الذي يشرح صدر هذا المؤمن به للإيمان إذا أراد هدايته ، ويضيق صدر هذا الكافر عنه إذا أراد إضلاله . القول في تأويل قوله تعالى : كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ وهذا مثل من الله تعالى ذكره ضربه لقلب هذا الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصوله إليه ، مثل امتناعه من الصعود إلى السماء وعجزه عنه ؛ لأن ذلك ليس في وسعه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني : كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يقول : مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد في السماء . حدثني المثني ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن عطاء الخراساني ، مثله . وبه قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن جريج قراءة : يجعل صدره ضيقا حرجا بلا إله إلا الله ، حتى لا يستطيع أن تدخله ، كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، مثله . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ من ضيق صدره . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والعراق : كَأَنَّما يَصَّعَّدُ بمعنى : يتصعد ، فأدغموا التاء في الصاد ، فلذلك شددوا الصاد . وقرأ ذلك بعض الكوفيين : " يصاعد " بمعنى : يتصاعد ، فأدغم التاء في الصاد وجعلها